تونس 2025: رهان البنك الدولي على الاستقرار.. هل يشعل فتيل الأسواق المالية التونسية؟


في خطوة تعكس محاولات جادة لاستقراء المشهد الاقتصادي المعقد في شمال إفريقيا، أصدر البنك الدولي تقريره الأخير الذي رفع فيه توقعاته لنمو الاقتصاد التونسي لعام 2025 إلى نسبة 2.6%. ورغم أن هذا التعديل التصاعدي قد يبدو إيجابياً في ظاهره، إلا أن الخبير الاقتصادي والمالي لا يمكنه قراءة الأرقام بمعزل عن سياقها الجيوسياسي والمالي الحرج.

هذه التوقعات، التي تشير أيضاً إلى استقرار معدل النمو عند حدود 2.4% خلال الفترة 2026-2027، تضع علامات استفهام كبيرة حول قدرة تونس على تحقيق "انفراجة" هيكلية حقيقية، بدلاً من مجرد "استقرار" مدفوع بعوامل خارجية مؤقتة.

تحليل الأرقام: قراءة في محركات النمو المستهدفة

نسبة 2.6% لعام 2025 تمثل تعديلاً إيجابياً مقارنة بالتقديرات السابقة، ولكنها تبقى نمواً متواضعاً لا يواكب طموحات دولة مثقلة بالدين وتواجه تحديات اجتماعية متزايدة. لتحقيق هذا المعدل، يراهن البنك الدولي على عدة عوامل:

  • التعافي السياحي المستمر: استمرار زخم السياحة الدولية، خاصة بعد الأداء القوي في 2023 و 2024، يشكل شريان حياة رئيسياً للعملة الصعبة.
  • تحسن القطاع الزراعي: افتراض تحسن الظروف المناخية بعد سنوات من الجفاف، ما قد ينعكس إيجاباً على الإنتاج الفلاحي والقدرة التصديرية.
  • استقرار بيئة الأعمال: رغبة المستثمرين الأجانب في التطلع إلى الاستقرار السياسي النسبي أو على الأقل عدم التدهور الدراماتيكي.

الاستقرار الهيكلي مقابل مخاطر الجمود السياسي

إن الثبات المتوقع لنمو الاقتصاد التونسي عند 2.4% بين عامي 2026 و 2027 هو النقطة الأكثر دلالة للمستثمرين. هذا الاستقرار لا يُترجم بالضرورة إلى حصانة، بل قد يشير إلى الوصول إلى سقف نمو محدد يفرضه الجمود الهيكلي والتعقيدات السياسية:

  1. قضية صندوق النقد الدولي (IMF): لا يمكن فصل توقعات البنك الدولي عن الغموض الذي يحيط باتفاقية القرض الضرورية مع صندوق النقد. غياب الإصلاحات الكبرى (مثل دعم الطاقة والكتلة الأجرية) يُبقي تونس عرضة لمخاطر التمويل الخارجي وخدمة الدين.
  2. ميزان المدفوعات والاحتياطي: رغم تحسن عائدات السياحة، يبقى ميزان المدفوعات تحت ضغط متواصل بسبب ارتفاع كلفة الواردات، خاصة الطاقة والغذاء. النسبة المذكورة قد لا تكون كافية لتعزيز الاحتياطي النقدي بشكل يطمئن وكالات التصنيف السيادي.
  3. بيئة الاستثمار المحلي: النمو فوق 2% يتطلب تحريراً أكبر للقطاعات المقيدة وإصلاحاً إدارياً جذرياً. إذا لم تترافق هذه التوقعات مع إشارات واضحة للإصلاحات، فإنها تبقى مجرد أرقام إحصائية بعيدة عن نبض الشارع والأسواق.

تداعيات على الأسواق المالية وعوائد السندات

من منظور المستثمر في الأسهم والسندات، توفر هذه الأرقام رسالة مزدوجة. فمن ناحية، قد توفر حداً أدنى من الثقة لتقليل احتمالية الانهيار الاقتصادي الفوري، مما قد يحد من الزيادات الحادة في علاوات المخاطر (Risk Premiums) على السندات السيادية التونسية.

لكن من ناحية أخرى، نمو بـ 2.6% ليس بالقوة التي تدفع المستثمرين في الأسهم (Equity Investors) للدخول بقوة في بورصة تونس (BVMT). الشركات المحلية الكبرى تحتاج إلى نمو يتجاوز 4% لترجمة الأرباح بوضوح، خاصة في ظل التضخم المرتفع (رغم تباطؤه). النمو المتواضع يعني أن السوق التونسي قد يستمر في التداول ضمن نطاق ضيق (Range-Bound Trading)، حيث يُفضل المستثمرون الأسهم الدفاعية ذات العوائد المستقرة (مثل قطاع الاتصالات أو البنوك التي تستفيد من أسعار الفائدة المرتفعة) على حساب الأسهم الدورية المرتبطة بالنمو الكلي.

الخلاصة التقديرية: استقرار هش ينتظر محفزاً سياسياً

إن تعديل البنك الدولي لتوقعات النمو في تونس هو بمثابة شهادة على مرونة الاقتصاد التونسي في مواجهة الضغوط، لكنه ليس إعلاناً بالتعافي. المستثمرون المحنكون سيقرأون هذه الأرقام كإشارة إلى استمرار الوضع الراهن (Status Quo) بدلاً من الانطلاق نحو مرحلة نمو جديدة.

لتحويل هذا الاستقرار الهش إلى مسار نمو مستدام يتجاوز الـ 3%، يجب أن يقترن الدعم الدولي بقرارات سياسية داخلية حاسمة تفتح الباب أمام التمويل الدولي الضروري. حتى ذلك الحين، تبقى تونس على رادار المراقبة، حيث تظل عوائد الاستثمار مرتبطة بشكل مباشر بإدارة المخاطر السيادية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال