في تطور يضع ثقلاً جديداً على كفة المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، أكدت فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة الخاصة لحقوق الإنسان في فلسطين، نتائج تقرير أممي يشير إلى أن الحرب الإسرائيلية على غزة قد أدت إلى محو 69 عاماً من مكتسبات التنمية البشرية في القطاع. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات إنسانية، بل مؤشرات اقتصادية عميقة تُعيد تعريف مفهوم "الخسارة الجيوسياسية" على المدى الطويل.
أبعاد الصدمة الاقتصادية: 69 عاماً من التدمير الرأسمالي
يشكل هذا التقييم، الذي يغطي فترة زمنية توازي عمر العديد من الدول الناشئة، تحدياً هيكلياً ضخماً. إن محو 69 عاماً من التنمية لا يعني فقط تدمير البنية التحتية المادية (المنازل، الطرق، المصانع)، بل يمثل تآكلاً كارثياً في "رأس المال البشري" - وهو العنصر الأكثر أهمية في أي اقتصاد مستدام.
تعتبر الإبادة الاقتصادية لمثل هذه المدة الزمنية ضربة قاصمة لإمكانات غزة المستقبلية، حتى في حال انتهاء الصراع. إن فقدان التعليم، والرعاية الصحية، وتشريد الكوادر المؤهلة، يضمن أن أي مسار للنمو في المستقبل سيبدأ من نقطة متدنية للغاية، وسيتطلب استثمارات ضخمة تستغرق عقوداً لتعويضها.
من منظور اقتصادي كلي: تترجم هذه الخسارة إلى ارتفاع تكاليف إعادة الإعمار المتوقعة إلى مئات المليارات، وزيادة هائلة في مستويات البطالة والفقر المدقع، مما يحوّل غزة إلى عبء اقتصادي ثقيل يتطلب تدخلاً دولياً واسع النطاق ومكلفاً للغاية.
التداعيات الجيوسياسية على الأسواق والمخاطر الإقليمية
بصفتنا محليلي أسواق، يجب أن ننظر إلى هذا التقرير كعامل رئيسي في تسعير المخاطر (Risk Premium) في المنطقة. كلما زادت حدة الكارثة الإنسانية والاقتصادية، زاد احتمال استمرار عدم الاستقرار، وهذا يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم أصولهم.
1. ارتفاع علاوة المخاطر وتدفقات رأس المال:
المناطق المجاورة، بما فيها الأسواق الخليجية التي تتمتع بمتانة نسبية، تشعر بوطأة هذا التصعيد. التقرير الأممي يزيد من حالة عدم اليقين بشأن مسار الصراع وأي حل سياسي محتمل، مما يقلل من جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) في المنطقة بشكل عام.
2. تأثير التقرير على الدولار والعملات المحلية:
في أوقات الأزمات الجيوسياسية العميقة، يفضل المستثمرون السيولة والتحول نحو الملاذات الآمنة. هذا الميل يعزز قوة الدولار الأمريكي (USD) عالمياً، ويضع ضغوطاً تصاعدية على العملات المحلية لدول المنطقة التي تُعد أكثر عرضة لعدم الاستقرار. كما أن ارتفاع تكاليف تمويل الاحتياجات الإنسانية يعمق الضغط على الموازنات الدولية، مما قد يؤثر على جداول أعمال التمويل التنموي الأخرى.
3. تحديات تمويل إعادة الإعمار وأسواق البناء:
سوق البناء والإنشاءات، والذي يُنظر إليه في العادة كقطاع واعد بعد انتهاء النزاعات، سيواجه تحديات غير مسبوقة هنا. حجم الدمار يفوق قدرات التمويل الإقليمية، ويتطلب آليات ضمان دولية ضخمة، مما يؤخر الجدول الزمني لبدء النشاط الاقتصادي الحقيقي ويقلل من عائدات المستثمرين المتوقعين في هذا القطاع.
خلاصة: التكلفة الجيوسياسية بعيدة المدى
إن إعلان محو 69 عاماً من التنمية البشرية هو في جوهره إعلان عن فشل تنموي واقتصادي مدمر، تتجاوز تداعياته الحدود الجغرافية لقطاع غزة. يجب أن تدرج الحكومات والبنوك المركزية هذا التقرير في نماذجها لتقييم المخاطر، فهو لا يشير إلى أزمة إنسانية فحسب، بل إلى عامل ضغط هيكلي على الاستقرار الاقتصادي الإقليمي والدولي. الطريق نحو التعافي، سواء اقتصادياً أو سياسياً، سيكون طويلاً ومكلفاً بشكل غير مسبوق، مما يبقي الأسواق الإقليمية تحت مظلة الحذر لسنوات قادمة.