تنزانيا بعد "انتخابات 98%": هل يمثل الإفراج عن المعارضين إشارة لتهدئة المخاطر الجيوسياسية أم تكتيك لاستقطاب الاستثمار الأجنبي؟


تحليل متخصص: تضع التطورات السياسية الأخيرة في تنزانيا المستثمرين في مفترق طرق حرج. ففي أعقاب انتخابات رئاسية أثارت جدلاً واسعاً أسفرت عن فوز الرئيسة سامية صولوحو حسن بنسبة بلغت 98%، وهو رقم يندر رؤيته في الديمقراطيات التنافسية، اتخذت السلطات خطوة مفاجئة بالإفراج عن أكثر من 100 معارض كانوا يواجهون اتهامات بـ"الخيانة". هذه الخطوة، التي تبدو للوهلة الأولى بادرة تصالح، يجب أن تُقرأ بعناية فائقة ضمن سياق إدارة المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية في شرق أفريقيا.

الانتخابات المشوبة والضغوط الدولية: قراءة في الأرقام

إن فوز الرئيسة بنسبة تقترب من الإجماع الكامل (98%) لا يعكس بالضرورة تفويضاً شعبياً جارفاً بقدر ما يشير إلى مستوى عالٍ من السيطرة السياسية، أو غياب الفضاء الكافي للمعارضة المنظمة، وهو ما يتسق مع تقارير استمرار القمع السياسي. الأسواق المالية والجهات المانحة الدولية لا تنظر إلى الانتخابات كغاية بحد ذاتها، بل كمؤشر على جودة الحوكمة، واستدامة السياسات، وقابلية الاستثمار.

عندما تُستخدم اتهامات خطيرة مثل "الخيانة" ضد نشطاء سياسيين عاديين، فإن ذلك يرفع من علاوة المخاطر (Risk Premium) المرتبطة بالاستثمار في تلك الدولة. الإفراج عن هؤلاء المعتقلين يمثل محاولة واضحة لتخفيف حدة الانتقادات الدولية التي تزايدت بعد نتائج الانتخابات، خاصة من قبل الشركاء التجاريين الغربيين والمنظمات المالية التي تولي أهمية متزايدة لملف حقوق الإنسان والحريات السياسية كشرط مسبق لتقديم التمويل والدعم التنموي.

تأثير جودة الحوكمة على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر

تنزانيا، باقتصادها المتنامي وثرواتها الطبيعية الهائلة (خاصة الغاز والمعادن)، تسعى جاهدة لتكون وجهة جذابة للاستثمار الأجنبي المباشر (FDI). لكن المستثمر المؤسسي يبحث دائماً عن الاستقرار التشريعي والسياسي.

  • تقلبات العملة: يؤدي القمع السياسي وعدم اليقين إلى زيادة التقلبات في سعر صرف الشلن التنزاني (TZS) مقابل الدولار، مما يؤثر سلباً على تحويل الأرباح ويُدخل عنصراً إضافياً من المخاطرة للمشاريع طويلة الأجل.
  • عقود الموارد: غالباً ما تتأثر عقود استغلال الموارد الطبيعية (النفط والغاز والتعدين) بالتغييرات المفاجئة في القيادة أو البيئة التنظيمية. الإشارات المتناقضة بين نتائج الانتخابات المتضخمة وإجراءات التهدئة قد تزيد من قلق شركات الطاقة الكبرى.
  • التصنيف الائتماني: من المرجح أن ينظر مصنفو الائتمان السيادي (مثل Moody's و S&P) إلى هذه التناقضات كعامل يحد من تحسين التصنيف، مما يرفع تكلفة الاقتراض على الحكومة التنزانية في الأسواق الدولية.

التكتيك السياسي: هل هي إصلاحات هيكلية أم مجرد إدارة للأزمة؟

إن الإفراج عن السجناء السياسيين يُعد أداة في حقيبة الإدارة السياسية للأزمة. فبينما تعطي هذه الخطوة انطباعاً دولياً إيجابياً، لا يجب أن تُفسر على أنها تحول جذري في النظام.

تحليل المخاطر المتبقية: لكي يعتبر المستثمرون أن تنزانيا قد خفضت بالفعل مستوى المخاطر الجيوسياسية، يجب أن يتبع الإفراج عن المعتقلين إجراءات هيكلية ملموسة، منها:

  1. إصلاحات تشريعية تضمن شفافية الانتخابات القادمة.
  2. تفعيل الحريات الإعلامية والمدنية بشكل حقيقي، وليس شكلي.
  3. ضمان استقلالية القضاء بما يحمي المستثمرين من قرارات التعسف الإداري.

إذا لم تتبع هذه الإجراءات، فإننا أمام "تهدئة تكتيكية" تهدف إلى كسب الوقت وفتح خطوط ائتمان جديدة، بدلاً من "إصلاح استراتيجي" يضمن استدامة الاستقرار على المدى الطويل.

نظرة استشرافية للمستثمر الذكي

بالنسبة للمستثمرين الذين يراقبون السوق التنزانية، تظل الحكمة هي ربط رأس المال بالمؤشرات الاقتصادية القوية (مثل نمو الناتج المحلي الإجمالي في قطاعات محددة) مع فرض حماية صارمة ضد المخاطر السياسية. يجب على صناديق الأسهم الخاصة والشركات المتعددة الجنسيات أن تضع في اعتبارها أن البيئة التشغيلية في تنزانيا لا تزال تتسم بالهشاشة السياسية، وأن الإفراج عن المحتجين هو مؤشر يجب متابعته ضمن سياق أوسع من مؤشرات الحوكمة.

الخلاصة التحليلية: تنزانيا تحاول إرسال رسالة مفادها "العمل كالمعتاد" للمجتمع الدولي بعد انتخابات صعبة. نجاح هذه الرسالة سيعتمد على مدى قدرة الحكومة على الموازنة بين الحفاظ على السيطرة الداخلية وتوفير بيئة شفافة ومستدامة لرأس المال الأجنبي.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال