تحليل الخبير: لا يمكن للمستثمر الجاد أن يفصل بين الجغرافيا العسكرية والاقتصاد. التصريحات الصادرة عن القيادة الأمنية الإسرائيلية حول التمسك بـ "جبل الشيخ" (Mount Hermon) ليست مجرد مناورة سياسية، بل هي ترسيخ للمعادلات الجيواستراتيجية التي تؤثر مباشرة على تقديرات المخاطر السيادية والاستثمارية في منطقة المشرق العربي ككل.
السيطرة الجغرافية: قيمة جبل الشيخ الاستخباراتية والردعية
أكد وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يسرائيل كاتس أن الجيش "لن يغادر جبل الشيخ"، مبرراً ذلك بـ"الحفاظ على أمن إسرائيل". هذا التأكيد يضعنا أمام تحليل دقيق للقيمة الاستراتيجية لهذا الموقع. جبل الشيخ، المعروف أيضاً بـ "عين إسرائيل"، ليس مجرد نقطة حدودية، بل هو أهم منصة استطلاع ومراقبة في المنطقة الشمالية:
- الأفضلية الطوبوغرافية: بارتفاعه الشاهق، يوفر الجبل كشفاً بصرياً وإلكترونياً عميقاً يمتد حتى عمق الأراضي السورية، بما في ذلك العاصمة دمشق وضواحيها. هذه القدرة على الرصد المبكر تقلل بشكل كبير من مفاجآت الصواريخ أو تحركات القوات المعادية.
- المعضلة الجيوسياسية السورية: بالنسبة لدمشق، يمثل التشبث الإسرائيلي بالجبل استنزافاً مستمراً للسيادة ومحدداً رئيسياً لخيارات الردع الاستراتيجي. هذا الوضع يضمن استمرار حالة التوتر وعدم الاستقرار على الحدود.
- تثبيت حقائق جديدة: هذا التصريح يأتي في سياق محاولات إسرائيلية مستمرة لتكريس الأمر الواقع الجغرافي العسكري، وهو ما يرفع تكلفة أي تسوية مستقبلية (إن وجدت).
التداعيات على الأسواق والمخاطر السيادية
المستثمرون في الشرق الأوسط يراقبون عن كثب أي تصريحات تتعلق بتثبيت الحدود أو تغيير قواعد الاشتباك. قرار التمسك بجبل الشيخ له ثلاثة أبعاد اقتصادية رئيسية:
أولاً: زيادة علاوة المخاطر (Risk Premium)
كلما ترسخت السيطرة على أصول استراتيجية متنازع عليها، زادت احتمالية الردود غير المتماثلة. هذا يرفع من تكلفة التأمين على الاستثمارات، وخاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية الإقليمية. المستثمرون يتوقعون أن تظل الجبهة الشمالية الإسرائيلية-السورية نقطة اشتعال محتملة، مما يؤثر سلباً على تقييمات الشركات المدرجة في بورصات المنطقة التي لديها تعرض جغرافي مباشر.
ثانياً: تأثيرها على مسارات الطاقة الإقليمية
رغم أن الجبل ليس مرتبطاً مباشرة بمسارات الغاز أو النفط، فإن استقرار الجبهة الشمالية هو شرط أساسي لمرور خطوط الأنابيب المستقبلية أو تطوير حقول الغاز البحرية (قرب المتوسط). أي إشارة إلى تصعيد على هذا المحور تؤدي إلى مراجعة شاملة لجدوى المشاريع الطاقية التي تتطلب هدوءاً جيوسياسياً.
ثالثاً: تجميد فرص الحلول الدبلوماسية
التصريحات الحاسمة مثل هذه تقلل من مرونة المفاوضات المستقبلية. بالنسبة للمجتمع الدولي، يصبح هذا الموقع رمزاً للعجز عن حل النزاعات الإقليمية، مما يقلل من جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) الذي يبحث عن بيئات مستقرة على المدى الطويل. سوريا، التي تواجه تحديات إعادة الإعمار، تجد أن قدرتها على جذب رؤوس الأموال معطلة جزئياً بسبب استمرار هذا النزاع السيادي المسلح.
خلاصة استثمارية
إن التمسك الإسرائيلي بجبل الشيخ يعكس استراتيجية طويلة الأمد لـ"التثبيت الأمني" عبر العمق الجغرافي. هذا القرار، رغم دوافعه الأمنية المعلنة، يرسخ معادلة صفرية في شمال المشرق: سيطرة استراتيجية مقابل تآكل سيادي. بالنسبة للمستثمرين، يجب تقييم استقرار المنطقة الشمالية في سورية ولبنان كمخاطرة هيكلية عالية (Structural Risk)، مما يدعو إلى التحفظ وتخصيص رؤوس الأموال بحذر شديد في الأصول ذات التعرض الإقليمي المرتفع.