توازن هشّ في سوق الظل: تحليل دلالات الارتفاع الطفيف لليرة السورية وتحديات السياسة النقدية المجمّدة.


في خضم حالة الجمود الاقتصادي التي تكتنف المشهد السوري، أثار تقرير حول ارتفاع "طفيف" في سعر صرف الليرة السورية (SYP) مقابل الدولار الأمريكي (USD) في السوق السوداء اهتمام المراقبين. إن مهمتنا كمحللين تتجاوز نقل الخبر؛ بل تتركز في تفكيك دلالاته الحقيقية وفهم سياقه في ظل نظام نقدي يعاني من انقسام حاد بين سعر رسمي مجمد وواقع سوق حر شديد التقلب. هذا التذبذب الهامشي لا ينبغي أن يُفسر كإشارة لانعكاس المسار الاقتصادي، بقدر ما هو عرض لديناميكيات ضيقة في ظل بيئة جيوسياسية خانقة.

انفصال الأسواق: وهم الاستقرار الرسمي

يستمر مصرف سوريا المركزي في سياسة تثبيت سعر الصرف الرسمي عند مستويات لا تعكس إطلاقاً القوة الشرائية الفعلية للعملة أو العرض والطلب الحقيقيين في السوق. هذا الانفصال يخلق سوقاً مزدوجة شديدة الضرر بالشفافية الاقتصادية: سعر رسمي يُستخدم لأغراض الميزانية وبعض المعاملات الحكومية، وسعر السوق السوداء (أو السوق الموازية) الذي يمثل البوصلة الحقيقية للتجارة والاستثمار.

إن إصرار المصرف المركزي على تثبيت السعر هو محاولة لـ "إدارة التوقعات" والحد من الذعر، لكنه في الواقع يزيد من تآكل الثقة ويغذي المضاربة. الارتفاع الأخير، مهما كان طفيفاً، هو دلالة على أن قوى السوق الموازية لا تزال هي المهيمنة على تحديد القيمة الفعلية لليرة.

ديناميكيات التذبذب الهامشي في سوق الظل

عندما نشهد ارتفاعاً طفيفاً في السوق الموازية، فإن المحلل الاقتصادي يجب أن يبحث عن عوامل سيولة مؤقتة، وليس تحسناً هيكلياً. تشمل الأسباب المحتملة لهذا الارتفاع:

  • تدفقات التحويلات النقدية: قد يكون الارتفاع مرتبطاً بتوقيت وصول تحويلات المغتربين، والتي غالباً ما تكون محددة زمنياً (مثل نهاية الشهر أو قرب الأعياد)، مما يزيد العرض من الدولار مؤقتاً في السوق السوداء.
  • انخفاض حجم التداول: في بيئات المخاطر العالية، قد يكون الارتفاع نتيجة لتراجع بسيط في الطلب على الدولار أو انخفاض حاد في حجم التداول الكلي، مما يجعل السوق أكثر حساسية لأي تدخلات صغيرة.
  • إجراءات أمنية مؤقتة: أحياناً، يؤدي تشديد الرقابة أو حملات مكافحة التهريب إلى إبطاء حركة الدولار المهرب، مما يخلق ضغطاً مؤقتاً على انخفاض سعر الصرف.

هذا الارتفاع لا يعكس قوة إنتاجية أو استثمارية متزايدة، ولكنه يعكس التوازن الهش للسيولة تحت ظروف الضغط المستمر.

المخاطر الجيوسياسية: الحاجز أمام أي استقرار

بالنسبة للمستثمر الذي يراقب هذه الأسواق، يجب أن يكون التركيز منصباً على العوامل الماكرواقتصادية والجيوسياسية التي تحدد السقف الأعلى للقيمة الحقيقية للعملة. تظل العملة السورية محاصرة بسياج من العقوبات الدولية، أبرزها قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين.

العقوبات لا تستهدف الحكومة فحسب، بل تخلق بيئة "مخاطر ثانوية" (Secondary Risks) تجعل أي تعامل مصرفي أو تجاري دولي مع سوريا محفوفاً بالمخاطر القانونية والمالية العالية. هذا يمنع دخول الاستثمار الأجنبي المباشر الحقيقي (FDI) ويجبر التجار على الاعتماد على قنوات غير رسمية تزيد من تكلفة الاستيراد وتدفع التضخم نحو مستويات فلكية.

مفارقة السياسة النقدية: التكلفة الباهظة للجمود

إن تثبيت سعر الصرف في ظل معدلات تضخم مرتفعة للغاية (تضخم يتجاوز 100% سنوياً في بعض التقديرات غير الرسمية) هو وصفة مؤكدة لتآكل احتياطيات النقد الأجنبي، إن وجدت. تعاني سوريا من نقص حاد في العملات الصعبة اللازمة لتمويل الواردات الأساسية (الوقود، الأدوية، المواد الغذائية)، مما يجعل أي "تحسن طفيف" في سعر الصرف مجرد ضوضاء على خلفية أزمة مالية هيكلية عميقة. الاستقرار الحقيقي يتطلب:

  1. تحسناً جذرياً في الميزان التجاري.
  2. إعادة بناء الثقة في النظام المصرفي والمالي.
  3. تسوية جيوسياسية تخفف من وطأة العقوبات.

دون هذه الشروط، يظل أي تفاؤل بشأن الليرة السورية تفاؤلاً مبنياً على أحداث عارضة، لا على أسس اقتصادية متينة.

الخلاصة للمستثمر: إن التذبذب الأخير هو حدث فني في سوق صغير وغير شفاف. ينبغي قراءة استمرار تثبيت السعر الرسمي كدليل على غياب المرونة النقدية، بينما يشير ارتفاع السوق السوداء الطفيف إلى ضغوط سيولة مؤقتة. يجب على المستثمرين (أو المحللين المعنيين بالسوق السوري) أن يظلوا حذرين للغاية؛ فالأساسيات الاقتصادية لا تزال تشير إلى ضعف هيكلي عميق، وأن المخاطر الجيوسياسية تفوق بكثير أي إمكانية لتحقيق مكاسب من تقلبات سعر الصرف على المدى القريب أو المتوسط.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال