تحليل استراتيجي بقلم: المحلل الاقتصادي والجيوسياسي
جاءت تصريحات وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، لتشكل خارطة طريق واضحة للموقف الإيراني تجاه ساحات النفوذ الرئيسية في المشرق العربي. هذه التصريحات ليست مجرد بيانات دبلوماسية عابرة، بل هي مؤشرات استراتيجية يجب على المستثمرين وأصحاب القرار قراءتها بعمق لتقدير عامل الخطر المنهجي (Systemic Risk) الذي لا يزال يخيم على المنطقة.
المحور اللبناني: تأكيد القوة ونفي التدخل
إن إعلان عراقجي بأن إيران "لم ولن تتدخل في شؤون لبنان" هو تصريح دبلوماسي تقليدي يتناقض مع حقيقة النفوذ البنيوي الذي تمارسه طهران عبر وكلائها الرئيسيين. الرسالة الأهم للمستثمر تكمن في الشق الثاني من تصريحه المتعلق بـ "حزب الله".
تقدير قوة حزب الله: انعكاس على المخاطر السيادية
التأكيد على أن "حزب الله لم يضعف" وأن من يعتقد ذلك لديه "حسابات خاطئة" يخدم هدفين رئيسيين: داخلياً، هو رفع الروح المعنوية لقواعد الحزب في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الخانقة. وخارجياً، هو إرسال إنذار واضح للقوى الإقليمية والدولية مفاده أن عامل الردع الإيراني، عبر ذراعه العسكري الأبرز، لا يزال فاعلاً وبكامل طاقته العملياتية.
التحليل الاقتصادي: هذا التأكيد يرسخ المعضلة السيادية اللبنانية. ما دامت قوة الحزب مضمونة، فإن أي حزمة إصلاحية ذات مصداقية تتطلب نزع سلاح أو تحييد قوى غير حكومية تظل أمراً بعيد المنال. وبالتالي، يظل لبنان ضمن فئة الاستثمار عالية المخاطر (Junk Status)، وتستمر العملة في التدهور لغياب الأفق السياسي الموثوق.
الجبهة السورية: مقارنة الأراضي المحتلة وتصعيد اللهجة
النقطة المحورية التي أدلى بها عراقجي حول أن المناطق التي احتلتها إسرائيل في سوريا "أكبر من غزة" هي خطاب مقصود وله أبعاد استراتيجية عميقة تتجاوز مجرد المقارنة الجغرافية.
الهدف من المقارنة الجيوسياسية
- تعبئة الرأي العام: محاولة لفت الانتباه الدولي إلى احتلال هضبة الجولان السورية، بهدف تفعيل الضغط على إسرائيل من جبهة الشمال التي غالباً ما يتم تهميشها في ظل التركيز على القضية الفلسطينية وغزة.
- تحديد الأولويات: الإيحاء بأن الهدف الأكبر للمقاومة يجب أن يشمل استعادة الأراضي السورية المحتلة، مما يبرر التواجد العسكري الإيراني وقواته الرديفة في سوريا كقوة تحرير وليست قوة احتلال.
- إدارة الصراع: تخدم هذه المقارنة استراتيجية "الوحدة في الساحات"، حيث يتم ربط جبهة الجولان بجبهة غزة، مما يرفع من تكلفة أي عملية عسكرية إسرائيلية ضد الأهداف الإيرانية في العمق السوري.
الآثار على الأسواق المالية وعوامل الخطر الإقليمية
تؤكد هذه التصريحات أن التوترات الإقليمية ليست في طريقها للانحسار، بل يتم إعادة ضبطها على مستوى أعلى من التأهب، وهو ما يحمل تداعيات مباشرة على الأسواق المستهدفة:
1. أسعار النفط والطاقة
بقاء المحور الإيراني قوياً في بيئات النزاع يعني استمرار "علاوة المخاطرة الجيوسياسية" على أسعار النفط العالمية. أي تصعيد محتمل في جبهة الشمال (لبنان/سوريا) يهدد بشكل مباشر خطوط الملاحة وسلامة الإمدادات، مما يدعم بقاء الأسعار في نطاقات مرتفعة.
2. أسواق الأسهم الإقليمية (الخليج)
على الرغم من أن أسواق الخليج قد أظهرت مرونة نسبية في مواجهة التوترات الأخيرة، فإن تصريحات بهذا الوضوح تذكر المستثمرين بعمق التضاريس الجيوسياسية الهشة. يجب على صناديق الاستثمار الأجنبية الإبقاء على درجة عالية من التحوط (Hedging) ضد أي تطور مفاجئ، لا سيما في أسهم الشركات التي لديها انكشاف على مشروعات البنية التحتية في دول الجوار غير المستقرة.
3. سوق السندات السيادية
بالنسبة للدول التي تعاني من ضغوط مالية (مثل الأردن ومصر)، فإن استمرار ارتفاع سقف التوتر الإقليمي يقلل من فرص الحصول على تمويل دولي بشروط ميسرة، ويحافظ على ارتفاع عوائد سنداتها (Yields)، حيث يُنظر إليها على أنها تقع في منطقة الخطر المباشر.
في الختام، رسائل عراقجي هي بمثابة "إشارة حمراء" للمستثمر الحصيف: النفوذ الإيراني في المشرق لم يتآكل، وعامل الخطر الجيوسياسي سيظل المحرك الرئيسي لتقلبات الأصول الإقليمية حتى إشعار آخر.