لطالما كانت نيجيريا، عملاق أفريقيا الاقتصادي والنفطي، نقطة ارتكاز حاسمة في المعادلات الجيوسياسية العالمية. لكن الحادث الأخير الذي شهدته قرية بابيري، حيث تم اختطاف أكثر من 300 تلميذ في عملية وصفت بأنها إحدى أسوأ عمليات الخطف الجماعي، لا يعد مجرد أزمة إنسانية عابرة. إنه مؤشر حاد وخطير على تآكل الحوكمة والأمن تحت إدارة الرئيس بولا تينوبو، مما يضع مستقبل الاستقرار الاقتصادي وموثوقية الإمدادات النفطية محل تساؤل عميق لدى المستثمرين الدوليين.
المخاطر الجيوسياسية: عندما يصبح الأمن سلعة نادرة
تُظهر تفاصيل الواقعة أن مطالب المجتمع المحلي بتعزيز الإجراءات الأمنية في المناطق الشمالية كانت قائمة منذ فترة، وهو ما يؤكد على وجود فجوة هيكلية في استجابة الدولة للتحديات الأمنية المتزايدة. هذه الفجوة ليست محصورة في منطقة واحدة؛ إنها تمتد لتشمل تمرد بوكو حرام في الشمال الشرقي، والنزاعات الرعوية والقبلية في الوسط، والسرقة المنظمة للنفط في دلتا النيجر. بالنسبة للمحلل السياسي والاقتصادي، فإن هذه البيئة هي بيئة "مخاطر استثمارية مضاعفة" (Dual Investment Risk).
إن استمرار دوامة الخطف الجماعي واستغلال الفدية كنموذج ربحي للميليشيات يمثل ضغطاً هائلاً على الموارد المالية للحكومة، ويدفع كلفة التشغيل والأمن للشركات المتعددة الجنسيات إلى مستويات غير مسبوقة.
الارتباط الوثيق بين الأمن وسلامة السوق المالية
كانت إدارة تينوبو قد راهنت على إصلاحات اقتصادية جريئة، شملت تحرير سعر صرف النايرا وإلغاء دعم الوقود، بهدف استعادة ثقة المستثمر الأجنبي المباشر (FDI). لكن هذه الإصلاحات تحتاج إلى مظلة أمنية قوية لتؤتي ثمارها.
تأثير الانفلات الأمني على تقييم الأصول النيجيرية
يؤثر تدهور الأمن مباشرة على تقييم الأصول:
- مؤشر المخاطر السيادية: تصاعد وتيرة العنف يزيد من احتمالية تخفيض التصنيف الائتماني لنيجيريا، مما يرفع كلفة الاقتراض الحكومي (Yields on Eurobonds).
- قطاع الطاقة: غالباً ما تتجه استثمارات النفط والغاز إلى مناطق أكثر استقراراً. الاستقرار الأمني المهتز في الشمال، وإن كان بعيداً نسبياً عن حقول النفط الرئيسية، يخلق تصوراً شاملاً لبيئة عمل عالية الخطورة، مما قد يبطئ مشاريع التوسع الطويلة الأجل.
- الثقة في النايرا: الفشل في السيطرة على مناطق النفوذ يعني استمرار حالة عدم اليقين، مما يثبط تدفقات العملة الصعبة اللازمة لدعم سعر الصرف الذي سعت الحكومة لجعله حراً.
المساءلة السياسية وخريطة الطريق للمستثمر
يجد الرئيس تينوبو نفسه أمام مفترق طرق صعب: إما أن يكرس موارد ضخمة لتهدئة الشمال المضطرب، مما قد يجهد الميزانية ويهدد خطط الإنفاق الرأسمالي الأخرى، أو أن يخاطر بتفاقم الأوضاع، وهو ما سيقضي تماماً على أي مكاسب تحققت من الإصلاحات الاقتصادية. بالنسبة للمستثمرين الذين يراقبون السوق النيجيري، يجب أن تكون مستويات الإنفاق الأمني وكفاءة استخدام تلك الأموال هي المؤشر الرئيسي لتقييم مدى جدية الحكومة في تثبيت الاستقرار.
الخلاصة: مخاطر حوكمة تتجاوز الحدود
تظل نيجيريا وجهة ذات إمكانات هائلة، لكن هذه الإمكانات رهينة بمدى قدرة الدولة على فرض سيادتها واستعادة السيطرة الأمنية. الحادث الأخير في بابيري ليس مجرد خبر محلي؛ بل هو رسالة مشفرة إلى الأسواق العالمية: المخاطر التشغيلية والسياسية في تزايد، ويتعين على الشركات العالمية تعديل نماذج تقييم المخاطر (Risk Models) الخاصة بها وفقاً لذلك. الأمن هو الأساس الذي تُبنى عليه الاقتصادات المستدامة، ويبدو أن هذا الأساس يتصدع في نيجيريا.