في خضم التوترات الإقليمية المستمرة، وتزامناً مع الأزمة المالية الطاحنة التي تعصف بلبنان، أدلى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بتصريحات لافتة تحمل دلالات جيوسياسية عميقة تلامس بشكل مباشر حسابات المخاطر للمستثمرين في منطقة الشرق الأوسط. إن تحليل هذا الخطاب ليس مجرد نقل لخبر دبلوماسي، بل هو قراءة متعمقة في استراتيجيات تقاسم النفوذ وتحديد المسؤوليات في محيط يغلي.
الدلالات السياسية وراء نفي التدخل
أكد عراقجي أن طهران "لم تتدخل قط في الشؤون الداخلية للبنان"، وهو تصريح يمثل لغة دبلوماسية مكررة لا تتوافق بالضرورة مع الواقع الميداني وتحالفات القوة المعقدة. بالنسبة للمحلل السياسي والاقتصادي، فإن هذا النفي يحمل أربعة أبعاد رئيسية يجب أخذها في الاعتبار عند تقييم المشهد:
- إدارة الانكشاف الدولي: تأتي هذه التصريحات في وقت تشتد فيه الضغوط الدولية على إيران، خاصة فيما يتعلق ببرنامجها النووي وأنشطتها الإقليمية. إن نفي التدخل يهدف إلى تخفيف حدة الاتهامات الموجهة إليها بـ "تصدير الثورة" وتقويض سيادة الدول، مما قد يخدم مصالح طهران في أي مفاوضات قادمة مع القوى الكبرى.
- تحديد المسؤولية عن الانهيار الاقتصادي: لبنان يمر بأسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث. إن النفي الصريح للتدخل يمكن أن يُقرأ كمحاولة لرفع المسؤولية المباشرة عن الفشل الحكومي والمالي الذي يواجهه لبنان، وتحويل التركيز إلى القوى الداخلية الأخرى.
- رسالة للمحور المضاد: تهدف طهران من خلال هذا النفي إلى تشتيت جهود الضغط التي تقودها دول إقليمية وغربية، والتي غالباً ما تربط بين استقرار المنطقة وضرورة فك ارتباط الفصائل اللبنانية عن الدعم الخارجي.
تأثير الإشارة إلى "حزب الله" والجيش على المخاطر الاستثمارية
النقطة الأكثر أهمية في تصريح عراقجي كانت التأكيد على أن "الجيش اللبناني وحزب الله هما من يتخذان قراراتهما بشكل مستقل". هذه العبارة تجمع عمداً بين المؤسسة الوطنية الرسمية (الجيش) والقوة المسلحة غير الحكومية (حزب الله) في سياق واحد، مما يثير تساؤلات حول التوازن الداخلي للسلطة.
1. إعادة ترسيم حدود النفوذ
ربط حزب الله بالجيش اللبناني ضمن سياق "الاستقلالية" يرسخ، من وجهة نظر طهران، شرعية دور حزب الله كقوة إقليمية فاعلة ومستقلة القرار، وليس مجرد ذراع إقليمي. وهذا الترسيم يؤثر على:
- موقف المانحين الدوليين: المؤسسات الدولية (كصندوق النقد والبنك الدولي) والقوى الغربية تشترط في الغالب إصلاحات هيكلية ونزع سلاح الميليشيات مقابل الدعم. هذا التصريح الإيراني يشير إلى صلابة الموقف الداخلي، مما قد يعيق مسار الإنقاذ المالي المطلوب.
- السيولة والسندات: استمرار الغموض حول من يتخذ القرار السيادي في بيروت يزيد من مخاطر التخلف عن السداد (Sovereign Risk) ويحافظ على علاوات المخاطرة (Risk Premium) مرتفعة للغاية على السندات اللبنانية المعومة، مع استمرار العزلة المالية عن الأسواق الدولية.
2. مؤشر عدم اليقين الجيوسياسي
في أسواق الطاقة والأسهم الإقليمية، يُترجم أي حديث عن استقرار لبنان إلى انخفاض في مؤشر عدم اليقين (VIX) الإقليمي. لكن هذا التصريح، الذي يؤكد ضمناً على ثنائية القوة، يحافظ على حالة الحذر:
- أسعار النفط: استمرار التوترات في منطقة الشام والربط الوثيق بين الوضع اللبناني والملف الإيراني يضيف طبقة من العلاوة الجيوسياسية على أسعار النفط، خاصة مع قرب مضيق هرمز.
- الاستثمار الأجنبي المباشر: تظل المنطقة الجنوبية من بلاد الشام منطقة طرد للاستثمار الأجنبي المباشر (FDI)؛ فغياب اليقين حول من يمسك بزمام الأمن والقرار يمنع تدفق رؤوس الأموال اللازمة لإعادة الإعمار أو حتى الاستقرار في الأسواق المجاورة.
الخلاصة: قراءة السوق للرسالة
إن الرسالة الإيرانية، رغم نفيها للتدخل، هي في جوهرها تأكيد لعمق النفوذ وترسيم للخطوط الحمراء. بالنسبة للمستثمر الذي يراقب المنطقة، فإن هذا يعني أن التسوية السياسية والاقتصادية في لبنان لن تكون سهلة أو سريعة. يجب على محافظ الاستثمار أن تظل حذرة، حيث أن البيئة التشغيلية في بيروت ستستمر في العمل تحت سقف مخاطر سياسية وجيوسياسية عالية، مما يجعلها غير جذابة للسيولة الباحثة عن اليقين في المدى المنظور.
تحليل بقلم: هيئة التحرير الاقتصادي والسياسي.