تحليل الخبير الاقتصادي والسياسي: إن الأحداث الجيوسياسية الكبرى، لاسيما تلك المتعلقة بالانتقالات السلطوية الحادة، لا تُقاس فقط بوقعها السياسي الآني، بل بامتداداتها الاقتصادية والتشريعية اللاحقة. الخبر الذي يوثق إصدار أحكام قضائية بحق نحو 100 شخص في أعقاب عزل الرئيس السابق محمد مرسي، وإن كان يمثل خبراً قضائياً بطبيعته، فإنه يُعد في الحقيقة إشارة قوية ضمن سلسلة مؤشرات الاستقرار (Stability Signals) التي يراقبها المستثمر المؤسسي وصناع القرار في الأسواق العالمية.
1. الإشارات القضائية وبناء الثقة المؤسسية
في سياق ما بعد الثورة والاضطراب، يولي رأس المال الأجنبي اهتماماً بالغاً لسرعة وصرامة النظام القضائي في معالجة ملفات العنف والفوضى التي تهدد البنية التحتية الاقتصادية. إن إصدار أحكام جماعية بهذا الحجم يشير بوضوح إلى انتقال الدولة من مرحلة الاحتواء الأمني إلى مرحلة التأكيد التشريعي والسيادة القانونية (Judicial Rigor).
بالنسبة للمحافظ الاستثمارية الكبرى (Sovereign Wealth Funds)، فإن هذه الخطوات توفر طبقة حماية إضافية ضد سيناريوهات العودة إلى الاضطرابات الاجتماعية الواسعة. ويُنظر إلى هذا الإجراء على أنه محاولة لتصفير المخاطر السياسية الداخلية، وهي خطوة ضرورية قبل فتح الباب أمام تدفقات الاستثمار المباشر الأجنبي (FDI Influx) الذي يتطلب بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ.
2. تحليل تأثير الأحكام على "علاوة المخاطر السياسية" (Political Risk Premium)
تُعد مصر سوقاً ناشئاً (Emerging Market) حساساً لتقلبات المخاطر السياسية. بعد أحداث 2013، ارتفعت "علاوة المخاطر السياسية" بشكل كبير، مما زاد من تكلفة الاقتراض الحكومي والشركات. إن الأحكام القضائية الكبيرة التي تستهدف إنهاء ملفات الصراع الداخلي تخدم هدفين استراتيجيين للمحللين الماليين:
- خفض تصنيف عدم اليقين: تساهم في إخراج البلاد من منطقة "اللايقين" الأمني والسياسي، مما يسمح لوكالات التصنيف الائتماني (S&P, Moody's, Fitch) بإعادة تقييم المسار الائتماني للدولة.
- تحسين عوائد السندات: كلما استقرت البيئة القانونية والأمنية، قلّت الحاجة إلى دفع عوائد مرتفعة على السندات السيادية لتعويض المستثمرين عن المخاطر المرتفعة، مما ينعكس إيجاباً على ميزانية الدولة وقدرتها على تمويل مشاريع التنمية.
إن رسالة الدولة هنا هي "نحن نغلق صفحة الماضي المضطرب"، وهي رسالة بالغة الأهمية للسوق الذي يبحث دائماً عن اليقين والدوام في النظام الحاكم.
الآفاق الاقتصادية طويلة الأجل والتوظيف الجيوسياسي
لا يمكن فصل هذه الأحكام عن الإطار الجيوسياسي الأوسع. في وقت كانت فيه مصر بحاجة ماسة لاستعادة الثقة الإقليمية والدولية (خاصة من دول الخليج الداعمة للاستقرار)، كان الإسراع في إنهاء الملفات الأمنية والقضائية هو المفتاح لفتح حزم المساعدات والاستثمارات. هذه القرارات سمحت للحكومة بالتحول للتركيز على الإصلاحات الهيكلية الصعبة، كإصلاح دعم الطاقة وتنفيذ مشاريع البنية التحتية الضخمة (Mega-Projects).
الخلاصة التحليلية: إن الأحكام القضائية، بهذا الحجم والسرعة، تُعالج كتكلفة لـ "تأمين الاستقرار". في نظر المستثمر الباحث عن الأمان لرأس ماله، فإن هذا الإجراء يقلل من احتمالية التوقف المفاجئ للعمليات (Operational Freeze) ويؤمن تدفق الإيرادات، مما يجعل مصر، رغم التحديات الاقتصادية، أكثر جاذبية مقارنة بالأسواق التي ما زالت تعاني من فوضى تشريعية وأمنية غير محسومة. نحن أمام عملية "تطبيع" للمخاطر، حيث يتم تجميعها ومعالجتها قضائياً للوصول إلى بيئة عمل أكثر تنظيماً.