لا يمكن النظر إلى العلاقة التي جمعت فلورنتينو بيريز، رئيس نادي ريال مدريد، وخوان لابورتا، رئيس نادي برشلونة، على أنها مجرد صداقة رياضية عابرة، بل كانت تكتلاً استراتيجياً ذا أبعاد جيوسياسية ومالية عميقة في قلب القارة الأوروبية. هذا التحالف، الذي وُلد من رحم الحاجة المالية والرغبة في السيطرة على مستقبل إيرادات كرة القدم، يواجه الآن تفككاً حاداً، مما يعيد خلط الأوراق في سوق الرياضة التي تقدر بمليارات الدولارات. المحللون الاقتصاديون ينظرون إلى هذا العداء المستجد ليس كخلاف إداري، بل كإشارة واضحة على تصدعات في الجبهة التي تقود ثورة "دوري السوبر" (Super League)، ما يترك المستثمرين في حيرة بشأن استقرار الأصول الرياضية الأوروبية.
التحالف الاستراتيجي: قراءة في الميتا-اقتصاد الكروي
كانت العلاقة بين القطبين مبنية على مصالح اقتصادية محورية: مواجهة هيمنة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) على حقوق البث والتوزيع، وتأسيس هيكل مالي جديد يضمن تدفقات نقدية فورية وكبيرة للأندية العملاقة المثقلة بالديون. بيريز ولابورتا مثلا جبهة قانونية وسياسية متماسكة للدفع بمشروع دوري السوبر، الذي يمثل في جوهره نموذجاً استثمارياً مغلقاً مصمماً لتعظيم الربحية على حساب النماذج التقليدية المعتمدة على المنافسة المفتوحة.
تآكل التوافق: الضغوط المالية وتذبذب الرؤى
رغم أن الهدف كان واحداً (تحرير الأندية من سلطة الـ UEFA)، إلا أن الظروف الداخلية لكل نادٍ بدأت تباعد بينهما. برشلونة، تحت قيادة لابورتا، يواجه تحديات سيولة أكثر حدة بكثير من ريال مدريد، مما دفع النادي الكتالوني إلى البحث عن حلول مالية سريعة ومكلفة، لعل أبرزها تفعيل "الرافعات الاقتصادية" وربما النظر بعين التسامح إلى عروض تمويل خارجية (مثل CVC) كانت قد رفضتها الجبهة الموحدة سابقاً. هذا التذبذب في الموقف المالي والقبول ببدائل قصيرة المدى، يمثل خروجاً عن العقيدة الاقتصادية الصارمة التي يتبناها بيريز، والتي تركز على التحكم الكامل بالمنتج دون شراكة مع صناديق خارجية تفرض شروطاً قاسية.
لقد مثلت العلاقة بينهما اتفاقية شراكة مؤقتة (Joint Venture) لحماية الأصول القانونية لدوري السوبر. انهيارها الآن يعكس تباين الرهانات المالية لكل طرف؛ فبينما يمتلك بيريز هامشاً أكبر للمناورة القانونية طويلة الأمد، يحتاج لابورتا إلى نقد فوري لإعادة هيكلة الديون، مما يجعل موقفه التفاوضي أضعف وأكثر عرضة للرضوخ للضغوط القارية.
التداعيات الجيوسياسية على سوق الأصول الرياضية
بالنسبة للمستثمرين في قطاع الرياضة، فإن هذا العداء يبعث رسالة واضحة بزيادة المخاطر وعدم اليقين. كانت قوة مشروع دوري السوبر تكمن في توحد الأندية المؤسسة، خاصة "المحور الإسباني" الثابت. الآن، ومع تصدع هذا المحور، تضعف الحجة القانونية والسياسية أمام محكمة العدل الأوروبية والبرلمانات المحلية.
مؤشرات عدم الاستقرار وتأثيرها على تقييم الأندية
- تأخير الإطلاق: ضعف الجبهة المؤسسة قد يؤدي إلى تأخير إطلاق دوري السوبر أو إجباره على تبني نموذج مخفف، مما يخفض بشكل مباشر من العوائد المتوقعة (Projected Returns) التي كانت تُستخدم لتبرير ارتفاع تقييمات الأندية المعنية.
- تعزيز قبضة UEFA: الخلاف يمنح الاتحاد الأوروبي للكرة ورقة قوة جديدة للضغط على الأندية المتذبذبة، خاصة تلك التي تعاني من أزمات سيولة، لتقديم تنازلات في قضايا الحوكمة المالية المستقبلية (Financial Fair Play).
- صعود المنافسين: قد تستغل أندية النخبة الأخرى (مثل الأندية الإنجليزية التي تتمتع بمتانة مالية حكومية أو تابعة لصناديق سيادية) هذا الانقسام لتعزيز نفوذها ضمن الهيكلية الحالية، مما يهدد موقع ريال مدريد وبرشلونة كقادة لاقتصاد الكرة.
إن تحول الشراكة الاستراتيجية إلى عداء علني ليس مجرد فصل في تاريخ المنافسة الكروية، بل هو زلزال يضرب أساسات الهندسة المالية الجديدة التي كان يطمح إليها قادة الأندية الكبرى. على المستثمرين الذين يراقبون الفرص في الأصول الرياضية أن يعيدوا تقييم مخاطرهم، حيث أن البيئة التنظيمية والمالية لكرة القدم الأوروبية تبدو الآن أكثر اضطراباً وأقل قابلية للتنبؤ مما كانت عليه عندما كان بيريز ولابورتا يحكمان جبهة واحدة.