واشنطن تدفع نحو هدنة غير مشروطة: هل تنجح الدبلوماسية في تجاوز سقف المطالب العسكرية السودانية؟


"تحليل خاص للمستثمرين: قراءة في الأجندات المتباينة بين واشنطن والقيادة العسكرية السودانية، وتأثير ذلك على منحنى المخاطر الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي."

الموقف الأميركي: محاولة لـ "تحييد" الشروط المسبقة

أشارت تصريحات مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، إلى تحول ملموس في إستراتيجية واشنطن للتعامل مع النزاع السوداني. المطالبة بهدنة إنسانية "دون شروط مسبقة" هي مؤشر على نفاد صبر الإدارة الأميركية إزاء الوتيرة البطيئة للجهود الدبلوماسية التي كانت تتعثر دائمًا عند تبادل الشروط بين طرفي النزاع، الجيش السوداني (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF).

من منظور تحليل المخاطر، فإن الضغط الأميركي غير المشروط يهدف إلى إحداث اختراق سريع لوقف إطلاق النار، الأمر الذي يُعد ضروريًا لتخفيف حدة الكارثة الإنسانية، وبالتالي تقليل الضغط السياسي الدولي على القوى الإقليمية المتورطة. إلا أن هذا الضغط يواجه تحديًا هيكليًا: الصراع في السودان تحول إلى معركة وجود لا يقبل التنازلات اللينة.

التباين الجوهري: الهدنة مقابل التفكيك القسري

يأتي الموقف الأميركي المتجه نحو "الهدنة غير المشروطة" ليصطدم مباشرة مع التصعيد السياسي للجيش السوداني، الذي يدعو الآن علانية لتفكيك قوات الدعم السريع. هذا التباين يخلق بيئة عالية المخاطر:

  1. أفول الخيار الدبلوماسي: الدعوة إلى التفكيك هي في جوهرها مطلب أقصى (Maximalist Demand) يعني أن الجيش لا يرى أي مستقبل سياسي أو عسكري لحل يشرك الدعم السريع. هذا يغلق عمليًا الباب أمام مفاوضات التسوية التي ترعاها الجهات الخارجية.
  2. تصلب المواقف: بالنسبة لقوات الدعم السريع، فإن المطالبة بتفكيكها تعني القتال حتى النهاية، مما يرفع من تكلفة الانسحاب ويجعل قبول الهدنة الإنسانية تكتيكًا مؤقتًا فقط لإعادة التموضع.
  3. انعدام اليقين: هذا التباين يشير للمستثمر بأن الصراع ليس على وشك الانتهاء قريبًا، بل إنه يدخل مرحلة جديدة من التعقيد المؤسسي والجيوسياسي.

الاستشراف الاقتصادي: تأثير الجمود العسكري على الأسواق الإقليمية

بالنسبة للمستثمرين والأسواق المالية، لا يمكن فصل استمرار الصراع في السودان عن المخاطر الإقليمية الأوسع. السودان، بموقعه الجغرافي الاستراتيجي على البحر الأحمر وباعتباره حلقة وصل رئيسية في سلاسل الإمداد الأفريقية، يمثل الآن مركزًا لعدم الاستقرار الهيكلي.

مؤشرات المخاطر المالية للمنطقة:

  • رأس المال والفرار (Capital Flight): استمرار القتال يغذي حالة عدم اليقين، مما يدفع رؤوس الأموال بعيدًا عن الاستثمارات الحدودية (Frontier Markets) في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.
  • أمن البحر الأحمر وتكاليف الشحن: النزاع يفاقم الضغوط الأمنية على الممر الملاحي الحيوي. أي تصعيد داخلي يقلل من قدرة الخرطوم على تأمين حدودها البحرية أو البرية، مما يؤثر على كفاءة الموانئ القريبة (مثل بورتسودان) ويزيد من تكلفة التأمين على البطر وتكاليف الشحن.
  • أسواق السلع (Commodities): السودان مصدر رئيسي للمنتجات الزراعية والذهب. تعطل الإنتاج يترجم إلى ضغوط تضخمية إقليمية، لا سيما في أسعار الحبوب والمواشي.

خلاصة التحليل للمستثمر

إن الموقف الأميركي الداعي لهدنة غير مشروطة هو محاولة أخيرة لإدارة الأزمة وليس حلها. ومع تزايد مطالب الجيش السوداني بتفكيك الدعم السريع، فإن المشهد يتجه نحو حرب استنزاف طويلة الأمد، ما لم يقم ضغط جيوسياسي مكثف بتغيير جذري في موازين القوى أو الحسابات الداخلية للطرفين.

التوصية: يجب على المستثمرين الاستمرار في تقييم المخاطر السودانية كخطر بنيوي (Systemic Risk) يمتد تأثيره إلى دول الجوار، وتعديل نماذج تسعير الأصول الإقليمية لتعكس حالة عدم الاستقرار الممتد. توقع حدوث اختراق دبلوماسي شامل في الأجل القريب يعد أمرًا غير واقعي في ظل المطالب الحالية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال