النفي الإيراني لـ "التدخل" في لبنان: قراءة في المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على استدامة الديون


يأتي المشهد السياسي الإقليمي محملاً بتصريحات ذات ثقل، قد تبدو في ظاهرها مجرد بيانات دبلوماسية، لكنها تحمل في طياتها مؤشرات عميقة لتقييم المخاطر السيادية والجيوسياسية. في هذا السياق، أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن طهران "لم تتدخل قط في الشؤون الداخلية للبنان"، مشدداً على استقلالية قرارات كل من "الجيش اللبناني وحزب الله". بالنسبة للمستثمر الذي يراقب عن كثب تقلبات منطقة الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والعملات، فإن هذا النفي لا يمر مرور الكرام، بل يتطلب تحليلاً معمقاً لفك شيفرة الرسائل المبطنة وتأثيرها على مسار الأزمة اللبنانية المتفاقمة.

خلفيات النفي: صراع النفوذ وأزمة التمويل

لا يمكن فصل تصريحات عراقجي عن السياق الأوسع للضغط الدولي المتزايد على بيروت لحثها على تنفيذ إصلاحات هيكلية كشرط للحصول على حزم الإنقاذ من صندوق النقد الدولي والدول المانحة، تحديداً دول الخليج العربي والولايات المتحدة. إن حجر الزاوية في اعتراضات هذه الأطراف يدور حول النفوذ السياسي والعسكري لـ "حزب الله" في القرار اللبناني، وهو نفوذ يُنظر إليه على أنه امتداد للمحور الإقليمي الذي تقوده طهران.

من وجهة نظر تحليل المخاطر، فإن النفي الإيراني يهدف إلى امتصاص جزء من هذا الضغط وتخفيف حدة ربط الأزمة الاقتصادية اللبنانية بالملف الجيوسياسي الإيراني. إلا أن الأسواق المالية تقيّم المخاطر بناءً على الحقائق على الأرض، وليس بناءً على التصريحات الدبلوماسية. وطالما بقيت مسألة السيطرة على القرار السياسي قائمة، فإن تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والقروض الميسرة، والمعونات الحيوية، سيظل معلقاً على خيط رفيع من الشكوك.

مؤشر المخاطر السيادية: لماذا لا يطمئن النفي المستثمرين؟

في تقييم المخاطر السيادية (Sovereign Risk)، يُعد الاستقرار السياسي عاملاً مرجحاً في قرارات التصنيف الائتماني. لبنان، الذي يشهد تعثراً في سداد ديونه وانهياراً غير مسبوق في قيمة عملته، يحتاج إلى إشارات قوية وواضحة لضمان الحياد السياسي الذي يسهل عملية الإنقاذ المالي.

  • غياب الإجماع الإقليمي: التصريح الإيراني لا يغير من حقيقة أن دول الخليج الغنية بالنفط تضع شروطاً صارمة لتقديم الدعم، مرتبطة بتقليص دور الجماعات المسلحة المدعومة إقليمياً. هذا التباين يرسخ الانقسام ويزيد من تكلفة الاقتراض المستقبلي (Risk Premium).
  • الربط بين الأداء الاقتصادي والأمني: بالنسبة لأي مستثمر يتطلع إلى إعادة هيكلة الديون اللبنانية أو ضخ رؤوس أموال جديدة، فإن الارتباط الوثيق بين الأمن القومي والتدخلات الخارجية يُترجم مباشرة إلى تقلبات في سعر الصرف وزيادة في مخاطر التصفية القسرية.

مفارقة الفصل بين "الجيش" و "حزب الله": رسائل لطهران

من النقاط الأكثر حساسية في تصريح عراقجي هو وضع الجيش اللبناني، المؤسسة الوطنية، وحزب الله، الذي تصنفه قوى دولية كجماعة إرهابية، في خانة واحدة باعتبارهما يتخذان قراراتهما "بشكل مستقل".

هذا التعبير يحمل رسالة مزدوجة: أولاً، محاولة لـ "تطبيع" وضع حزب الله ككيان شبه دولتي يتمتع باستقلالية القرار داخلياً؛ وثانياً، إرسال إشارة للمجتمع الدولي بأن الضغط على إيران لن يترجم بالضرورة إلى تغيير في ميزان القوى اللبناني، ما يعني استمرار الجمود السياسي والاقتصادي.

في عالم الأسواق، حيث تُقوّم الأصول بناءً على اليقين، فإن مثل هذه التصريحات التي تحافظ على الوضع الراهن وتؤكد على استمرار النفوذ عبر وكلاء، تُعد عاملاً مضاعفاً للمخاطر بدلاً من كونها عامل طمأنة. إن طريق لبنان إلى التعافي الاقتصادي لا يزال يمر عبر تسوية جيوسياسية إقليمية واسعة، لا تبدأ أو تنتهي ببيانات نفي من طرف واحد.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال