```html


الاقتصاد الصيني: بين التباطؤ المتوقع والاستراتيجيات التصديرية الجديدة

الاقتصاد الصيني في مفترق الطرق: تباطؤ النمو وإعادة توجيه الاستراتيجية التصديرية

المشهد الاقتصادي الحالي: قراءة في التوقعات

توقع بنك أوف أمريكا تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين خلال الربع الثالث من عام 2025 إلى 4.5% على أساس سنوي، مقارنة بمعدل نمو بلغ 5.2% في الربع الثاني. هذا التراجع يعكس ديناميكية اقتصادية معقدة تتطلب فهماً عميقاً للعوامل الكامنة وراءها.

يشير البنك إلى أن نمو الإنتاج الصناعي في سبتمبر من المرجح أن ينخفض إلى 5% على أساس سنوي مقابل 5.2% في أغسطس. غير أن هذا التراجع يأتي رغم استمرار قوة مؤشر الإنتاج الصناعي في مؤشر مديري المشتريات، الذي سجل 51.9 نقطة في سبتمبر، مما يشير إلى متانة النشاط الصناعي الأساسي.

العوامل الحقيقية وراء التباطؤ

تأثير القاعدة المرتفعة

يؤكد محللو البنك أن تباطؤ وتيرة النمو يعود بالأساس إلى تأثير القاعدة المرتفعة المسجلة في العام الماضي. هذا العامل الإحصائي قد يضغط على الأرقام الإجمالية للناتج المحلي رغم متانة النشاط الصناعي الأساسي، مما يعني أن الاقتصاد الصيني قد لا يكون ضعيفاً كما قد توحي به الأرقام السطحية.

ضعف قطاع المرافق

يتوقع التقرير استمرار ضعف إنتاج قطاع المرافق خلال سبتمبر، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التباطؤ في الأداء الصناعي العام خلال الربع الثالث. يشكل هذا الضعف عبئاً مستمراً على القطاع الصناعي الصيني، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على الطاقة النظيفة والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الكهربائية.

الاستراتيجية الصينية الجديدة: من الاستهلاك الداخلي إلى التصدير

في مواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة، اتخذت الصين منحى استراتيجياً جديداً. بدلاً من الاعتماد على الاستهلاك الداخلي الضعيف، قامت بتعزيز قدرتها التصديرية بشكل كبير، خاصة نحو دول جنوب وجنوب شرق آسيا.

تشير البيانات إلى أن الفائض التجاري الصيني كنسبة من الصادرات ارتفع من 15% في عام 2019 إلى 30% في عام 2025، عائداً إلى ذروته السابقة في عام 2015. هذا الارتفاع الملحوظ يعكس استراتيجية حكومية واعية لتعويض الضعف في الطلب المحلي من خلال زيادة الصادرات، خاصة في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية مثل السيارات الكهربائية.

الاستثمار الضخم في البنية التحتية والطاقة

تحافظ الصين على مستويات استثمار مرتفعة جداً، حيث بلغت الاستثمارات الثابتة 42% من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من عام 2025، رغم انهيار سوق العقارات. هذا يقارن بـ 14% فقط للاستثمار غير السكني في الاقتصاد الأمريكي.

لتزويد قاعدتها الصناعية المتوسعة بالطاقة منخفضة التكلفة، تستثمر الصين بكثافة في البنية التحتية الكهربائية، حيث شهدت الاستثمارات في هذا القطاع زيادة بنسبة 19% على أساس سنوي في أغسطس 2025. كما ارتفعت استثمارات التعدين الفحمي بنسبة 13% على أساس سنوي في نفس الفترة، مما يعكس التزام الصين بتوفير الطاقة اللازمة لدعم نموذجها الاقتصادي الموجه نحو التصدير.

التحديات الهيكلية: الديون والاستدامة

رغم نجاح الاستراتيجية التصديرية في تجنب انكماش اقتصادي أعمق، تحذر التحليلات من أن مستويات الديون المتزايدة تشكل تهديداً طويل الأجل لاستدامة النموذج الاقتصادي الصيني. النموذج الاستثماري الثقيل والموجه نحو التصدير قد يكون فعالاً على المدى القصير، لكنه يخفي اختلالات هيكلية عميقة.

تشير التقديرات البديلة للنمو الصيني، المستندة إلى مؤشرات مثل استهلاك الطاقة والانبعاثات والتجارة الإجمالية، إلى أن النمو الحقيقي قد يكون أقل بكثير من الأرقام الرسمية. فقد قدرت هذه النماذج نمو الناتج المحلي الإجمالي في النصف الأول من عام 2025 بحوالي 2% فقط، وهو أقل بشكل كبير من الرقم الرسمي البالغ 5.3%.

الآفاق المستقبلية والتداعيات الجيوسياسية

يطرح هذا الوضع سؤالاً استراتيجياً حاسماً: هل ستسمح الدول الأخرى بتراجع قطاعاتها الصناعية المحلية في مواجهة الاستراتيجية التصديرية الصينية الجديدة؟ قد يؤدي هذا الصراع التجاري إلى إعادة توزيع الإنتاج العالمي، حيث قد تنتقل المصانع المملوكة للصينيين والموجهة للسوق الأمريكية إلى دول أخرى لتجنب الرسوم الجمركية.

في الأجل المتوسط، قد يتحقق توازن جديد في العلاقات التجارية والمالية بين الولايات المتحدة والصين خلال السنوات القادمة، لكن هذا التكيف لن يخلو من تكاليف اقتصادية واجتماعية كبيرة على كلا الجانبين.

الخلاصة: ماذا يعني هذا للمستثمرين؟

يشير تحليل الوضع الاقتصادي الصيني إلى أن الاقتصاد الثاني عالمياً يمر بمرحلة انتقالية حاسمة. بينما تحاول الحكومة الصينية تجنب انكماش اقتصادي من خلال الاستثمار الضخم والتصدير المكثف، فإن الاختلالات الهيكلية العميقة تبقى مصدر قلق طويل الأجل.

يوصي بنك أوف أمريكا المستثمرين بالنظر إلى الأسهم الصينية والذهب كأدوات تحوط ضد التقلبات المتوقعة، خاصة في ظل عدم اليقين الجيوسياسي المتزايد والتوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال