الصين: انكماش مستمر في القطاع الصناعي رغم بوادر التحسن
تحليل معمق لمؤشرات الإنتاج الصناعي والتحديات الاقتصادية التي تواجه أكبر قوة تصنيعية في العالم
الوضع الراهن: استمرار الانكماش مع تحسن طفيف
أظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة من المكتب الوطني للإحصاء الصيني أن نشاط المصانع الصينية استمر في الانكماش للشهر الثامن على التوالي خلال نوفمبر 2024، حيث سجل مؤشر مديري المشتريات الرسمي 49.2 نقطة، مرتفعاً بشكل طفيف من 49.0 نقطة في أكتوبر. هذا الارتفاع البسيط، رغم أهميته، يعكس حالة من الركود الاقتصادي المستمر، إذ يبقى المؤشر دون مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش.
ما يثير القلق بشكل أكبر هو أن هذا الانكماش المستمر يعكس صعوبة استدامة التعافي الاقتصادي بعد جائحة كوفيد-19، خاصة مع تفاقم الضغوط الناجمة عن الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، التي زادت من الضغوط على الشركات الصينية وقدرتها على التوسع والاستثمار.
مؤشرات فرعية: تحسن محدود في الطلب
على الرغم من الصورة الكلية المحبطة، أظهرت المؤشرات الفرعية بعض بوادر التحسن. تحسنت مؤشرات الطلبات الجديدة وطلبات التصدير الجديدة مقارنة بشهر أكتوبر، لكنها ظلت دون مستوى 50 نقطة، مما يشير إلى أن التحسن محدود وغير كافٍ لتحويل الاتجاه العام نحو النمو الحقيقي.
هذا التحسن الطفيف قد يعكس بعض الآمال في استقرار الطلب العالمي، لكنه لا يكفي لتعويض الضعف الداخلي في الطلب المحلي، الذي يبقى التحدي الأساسي الذي تواجهه السياسة الاقتصادية الصينية.
الإنتاج الصناعي: نمو متواضع في بداية 2025
على صعيد آخر، أظهرت البيانات الأخيرة لبداية عام 2025 نمواً متواضعاً في الإنتاج الصناعي. حيث نما الإنتاج الصناعي بنسبة 5.9% خلال الشهرين الأولين من العام مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو معدل يتجاوز توقعات المحللين البالغة 5.3%، لكنه يعكس تباطؤاً عن معدل النمو البالغ 6.2% المسجل في ديسمبر 2024.
ما يستحق الملاحظة هو تسارع نمو الإنتاج الصناعي في القطاعات الاستراتيجية، حيث سجلت صناعة المعدات والتكنولوجيا المتقدمة ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.6% و9.1% على التوالي. هذا يشير إلى أن الحكومة الصينية تركز على تحويل الاقتصاد نحو قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى، وهو ما يتوافق مع استراتيجية "صنع في الصين 2025".
الحجم الاقتصادي: الصين تحافظ على هيمنتها العالمية
من المهم وضع هذه التحديات في السياق الأوسع. في عام 2024، ساهمت الصين بحوالي 30% من القيمة المضافة للتصنيع العالمي، محافظة على مكانتها كأكبر قوة تصنيعية في العالم لمدة 15 عاماً متتالية. بلغ الناتج المحلي الإجمالي للتصنيع 33.55 تريليون يوان (4.67 تريليون دولار أمريكي)، بزيادة قدرها 6.0% على أساس سنوي، ممثلاً حوالي 24.86% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.
هذه الأرقام تؤكد أن الاقتصاد الصيني، رغم تحدياته، لا يزال محرك النمو الصناعي العالمي الأساسي.
السياسة الاقتصادية: بين الإصلاح الهيكلي والحوافز
تواجه صانعو السياسات الصينيين معضلة حقيقية: هل يستمرون في الإصلاحات الهيكلية الصارمة التي قد تؤدي إلى مزيد من الألم قصير الأجل، أم يطرحون المزيد من الحوافز لتعزيز الطلب المحلي؟
كشفت الحكومة الصينية عن خطة جديدة لتعزيز الاستهلاك تركز على تحسينات السلع الاستهلاكية في المناطق الريفية وقطاعات مثل "الحيوانات الأليفة والأنمي والألعاب العصرية". كما ارتفع الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 4.1% خلال الشهرين الأولين من 2025، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين البالغة 3.6%، مما يشير إلى محاولة الحكومة دعم النمو من خلال الاستثمار العام.
الآثار على المستثمرين والأسواق
بالنسبة للمستثمرين، تعكس هذه البيانات صورة مختلطة. من جهة، يشير استمرار الانكماش في مؤشر مديري المشتريات إلى ضعف في الطلب قد يؤثر على أسعار السلع الأساسية والأسهم الصناعية. من جهة أخرى، يشير التركيز على القطاعات عالية التكنولوجيا والاستثمار المتزايد في الأصول الثابتة إلى فرص محتملة في قطاعات التكنولوجيا والمعدات المتقدمة.
المفتاح هو مراقبة ما إذا كانت الحوافز الحكومية الجديدة ستكون كافية لتحويل الاتجاه من الانكماش إلى النمو في الأشهر القادمة، خاصة مع استمرار التوترات التجارية مع الولايات المتحدة.
الخلاصة والنظرة المستقبلية
الصورة الاقتصادية الصينية الحالية تعكس اقتصاداً في مرحلة انتقالية حرجة. بينما تحافظ الصين على هيمنتها العالمية في التصنيع، فإنها تواجه تحديات حقيقية في الطلب المحلي والضغوط الخارجية. الانكماش المستمر في مؤشر مديري المشتريات، رغم بوادر التحسن الطفيفة، يشير إلى أن الاقتصاد الصيني يحتاج إلى حوافز أقوى وإصلاحات هيكلية أعمق لاستعادة الزخم.
المستثمرون يجب أن يبقوا يقظين، مراقبين عن كثب تطور السياسات الحكومية والبيانات الاقتصادية الشهرية، خاصة مؤشر مديري المشتريات والإنتاج الصناعي، كمؤشرات رئيسية لاتجاه الاقتصاد الصيني في الأشهر القادمة.