التصعيد الإسرائيلي في لبنان: نهاية الحسابات الردعية وبداية استراتيجية جديدة
تحليل شامل لتداعيات الأزمة على الاستقرار الإقليمي والأسواق المالية
المشهد الحالي: انهيار اتفاق وقف الأعمال العدائية
بعد عام كامل من الاشتباكات المتقطعة، دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024[4]، لكن هذا الهدوء النسبي بدأ ينهار بسرعة مثيرة للقلق. في 28 يناير 2025، بعد يومين فقط من انتهاء فترة الاتفاق المُمددة من قبل الولايات المتحدة (دون موافقة حزب الله)، عادت إسرائيل لشن غارات على مدينة النبطية[2]، مما يشير إلى أن الحسابات الجيوسياسية قد تغيرت بشكل جذري.
التحول الاستراتيجي الإسرائيلي: من الردع إلى التوسع
ما يميز المرحلة الحالية هو تحول واضح في الموقف الإسرائيلي من موقف دفاعي ردعي إلى موقف هجومي توسعي. وزير الدفاع الإسرائيلي وضع مهلة نهاية الشهر القادم (ديسمبر 2025) لنزع سلاح حزب الله، مهددًا بالعودة إلى "الضرب بقوة" وحتى التراجع عن اتفاق الحدود البحرية الموقع منذ ثلاثة أعوام[1]. هذا التهديد ليس مجرد بيان سياسي، بل يعكس خطة عسكرية متعددة المراحل:
- المرحلة الأولى: تفكيك البنية التحتية العسكرية لحزب الله جنوب نهر الليطاني مع الحفاظ على حرية العمل العسكري الإسرائيلي[1]
- المرحلة الثانية: إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان[1]
- المرحلة الثالثة: ترتيبات أمنية طويلة الأجل تضمن السيطرة الإسرائيلية على المنطقة
الموقف الأمريكي: "ضوء أخضر" للتصعيد
ما يعطي الإسرائيليين الثقة لتنفيذ هذه الخطة هو الدعم الأمريكي الضمني. سفير الولايات المتحدة في بيروت كشف عما يمكن اعتباره "ضوءًا أخضر أمريكيًا" لإسرائيل لتنفيذ ما تراه ضروريًا لحماية مصالحها[1]. علاوة على ذلك، اشتكى الإسرائيليون للأمريكيين من عدم فعالية الجيش اللبناني في نزع سلاح حزب الله[5]، وهي شكوى تعكس عدم رضا واشنطن عن الأداء اللبناني.
الموقف اللبناني: بين الالتزام الشكلي والعجز الفعلي
الحكومة اللبنانية تؤكد جديتها في الوفاء بالتزاماتها، حيث أكمل الجيش اللبناني مسح 80% من مساحة المنطقة الحدودية جنوب الليطاني ضمن المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة[1]. لكن هذا الجهد لا ينال رضى واشنطن أو تل أبيب، مما أدى إلى اتهامات متبادلة بالعجز عن تنفيذ الالتزامات. هذا التوتر المكتوم أدى حتى إلى إلغاء زيارة مقررة لقائد الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة قبل عشرة أيام[1].
موقف حزب الله: الرفض المطلق والتهديدات المحدودة
حزب الله يرفض تسليم سلاحه إلا بعد انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات[1]. الحزب يحمل الحكومة اللبنانية مسؤولية التصدي للخروقات الإسرائيلية، مؤكدًا أن سلاح المقاومة لا يعتبر مشكلة إلا للمشروع الإسرائيلي[1]. لكن الواقع العسكري يختلف عن البيانات السياسية: المعلومات تفيد بأنه لم تعد هناك بنية عسكرية قادرة لدى حزب الله تستطيع استيراد السلاح بشكل فعال[1].
رغم تعهد الحزب بالرد على اغتيال رئيس أركانه، فإن قدرته على تنفيذ هذه التهديدات محدودة جدًا. في 26 فبراير 2025، بعد إسقاط حزب الله لطائرة بدون طيار إسرائيلية، شنت إسرائيل هجماتها الأولى شرق لبنان منذ بدء الصراع، مستهدفة مواقع الدفاع الجوي[2]. رد حزب الله كان محدودًا: 60 صاروخ كاتيوشا فقط[2]، وهو رد يعكس قدرات محدودة وليس ردعًا حقيقيًا.
التداعيات الاقتصادية والسياسية
من منظور اقتصادي وجيوسياسي، هذا التطور يشير إلى عدة مؤشرات حرجة:
- عدم الاستقرار الإقليمي: احتمالية تصعيد أكبر بكثير مما حدث خلال العام الماضي[1]
- ضعف الدولة اللبنانية: عجز الحكومة عن فرض سيطرتها على السلاح يعكس أزمة سيادة عميقة
- تأثر الأسواق المالية: الاستثمارات الأجنبية في لبنان والمنطقة ستتأثر سلبًا بالتصعيد المتوقع
- تحول في التوازنات الإقليمية: الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل يعكس إعادة حساب استراتيجية في الشرق الأوسط
الخلاصة: سيناريوهات محتملة
إسرائيل لم تعد تكترث بتهديدات حزب الله لأنها تقيّم أن قدرات الحزب العسكرية قد تدهورت بشكل كبير، وأن الدعم الأمريكي يعطيها الحرية لتنفيذ أجندتها الأمنية. السيناريو الأكثر احتمالًا هو استمرار التصعيد التدريجي مع محاولات إسرائيلية لفرض منطقة عازلة في جنوب لبنان، بينما تبقى الحكومة اللبنانية عاجزة عن التأثير على مسار الأحداث. هذا يعني أن المستثمرين يجب أن يتوقعوا فترة طويلة من عدم الاستقرار في المنطقة، مع تأثيرات سلبية على الأسواق المالية والاستثمارات الإقليمية.
هذا التحليل يعتمد على المعلومات المتاحة حتى نوفمبر 2025 ويخضع للتطورات الميدانية المستمرة.