وهم التعافي: تذبذب سعر صرف الليرة السورية بين سكون المصرف المركزي وديناميكية السوق الموازية.
بقلم: المحلل الاقتصادي والجيوسياسي (اسم افتراضي)
تمهيد تحليلي: قراءة في الهامش الضيق لليرة السورية
تابعت الأسواق المالية والمراقبون للشأن السوري التطورات الأخيرة المتعلقة بسعر صرف الليرة السورية (SYP) مقابل الدولار الأمريكي (USD) في السوق الموازية. يشير الخبر إلى تسجيل ارتفاع طفيف في قيمة الليرة خلال تعاملات يوم الخميس، متناقضاً مع حالة الجمود والإنكار التي يتبناها مصرف سوريا المركزي (CBS) الذي يصر على تثبيت سعر الصرف الرسمي.
في سياق الأسواق الهامشية التي تحكمها الظروف الجيوسياسية والعقوبات (خاصة قانون قيصر)، لا يمكن قراءة أي تحسن، مهما كان طفيفاً، بمعزل عن العوامل الهيكلية والسيولة. إن هذا التذبذب لا يمثل تحولاً جوهرياً في أساسيات الاقتصاد المنهك، بل هو انعكاس لديناميكيات مؤقتة تتطلب تفكيكاً حذراً.
أسباب الارتفاع الطفيف: هل هي عوامل هيكلية أم موسمية؟
من منظور التحليل المالي، يُحتمل أن يكون الارتفاع الملحوظ في قيمة الليرة في السوق السوداء مدفوعاً بعدة عوامل لا ترتبط بالضرورة بتعافي الإنتاج أو تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتي لا تزال مقيدة بفعل المخاطر والعقوبات. وتشمل هذه العوامل المحتملة ما يلي:
- تدفقات التحويلات: قد تكون الزيادة الطفيفة ناتجة عن تدفقات موسمية أو دورية من تحويلات السوريين العاملين في الخارج (Remittances). غالباً ما تشهد هذه التدفقات نشاطاً متزايداً في فترات معينة، مما يزيد من معروض القطع الأجنبي مؤقتاً في السوق الموازية.
- إجراءات ضبط السوق: لا يمكن استبعاد ضخ محدود للسيولة الدولارية من قبل جهات مرتبطة بالسلطة أو إجراءات أمنية مشددة تستهدف مضاربي العملة. هذه الإجراءات تخلق حالة من التوجس، مما يدفع المتعاملين إلى التخلص من بعض حيازاتهم من الدولار خشية الملاحقة، مما يزيد العرض ويهبط بالسعر لفترة محدودة.
- انكماش السيولة: في بيئة اقتصادية منهارة، قد يعني الانخفاض الطفيف في سعر الصرف ببساطة انكماشاً في حجم التعاملات، حيث يؤدي ضعف القدرة الشرائية إلى تراجع الطلب الفعلي على الدولار لأغراض الاستيراد غير المدعوم.
سكون المصرف المركزي: وهم السعر الرسمي
يستمر مصرف سوريا المركزي في سياسة تثبيت سعر الصرف الرسمي عند مستويات لا تعكس القيمة السوقية الحقيقية للعملة. إن هذا التثبيت الإداري هو في جوهره أداة محاسبية لتمويل الميزانية واستيراد المواد الأساسية التي تتحكم بها الدولة، لكنه يفاقم في الوقت ذاته التحديات الاقتصادية.
إن الفجوة الهائلة بين السعر الرسمي والسعر الموازي هي المؤشر الأوضح على اختلالات السياسة النقدية. هذه الفجوة تفتح الباب واسعاً أمام فرص المراجحة (Arbitrage) الضخمة التي يستغلها المتنفذون، مما يؤدي إلى هدر موارد الدولة وتفاقم الفساد، ويزيد من عزلة النظام المصرفي السوري عن أي تعاملات دولية شفافة.
الخلاصة والآفاق الاستثمارية للمتخصصين
بالنسبة للمستثمرين الذين يراقبون الأسواق الهامشية، يجب التعامل مع أي "تحسن طفيف" في الليرة السورية على أنه ضوضاء إحصائية (Statistical Noise) وليست إشارة تعافي. لا تزال العوامل الأساسية المؤثرة في قيمة العملة، وهي الاستقرار السياسي، تخفيف العقوبات، وعودة الإنتاج، غائبة تماماً.
تظل السوق السورية بيئة عالية المخاطر (High Risk)، حيث تحدد العوامل الجيوسياسية والقرارات الإدارية، وليس آليات السوق الحرة، مسار العملة. نوصي المستثمرين بالبقاء على الحياد الحذر، واعتبار سعر الصرف الموازي مؤشراً يومياً على حساسية السيولة، وليس دليلاً على متانة الاقتصاد.
تظل السياسة هي المحدد الأوحد للقيمة الاقتصادية في هذا السياق.