تحليل فوري: لا يمثل استهداف حقل غاز كورمور في إقليم كردستان العراق حادثاً عابراً، بل هو مؤشر استراتيجي على تصاعد استهداف البنية التحتية الحيوية، ما يضع ملف أمن الطاقة العراقي على المحك. هذا الهجوم، الذي أدى إلى انقطاع فوري وكامل لإمدادات الغاز عن محطات توليد الكهرباء، يحمل رسائل جيوسياسية واضحة تستهدف تقويض الاستقرار الاقتصادي والسياسي للإقليم والبلاد ككل، مما يستوجب قراءة معمقة لتداعياته على المستثمرين وأسعار الأسهم في المنطقة.
خلفية الهجوم: استهداف نقطة الارتكاز الاقتصادي
يعد حقل كورمور، الذي تديره "كونسورتيوم بيرل" بقيادة شركة دانة غاز الإماراتية، العمود الفقري لإمدادات الطاقة في إقليم كردستان. الإنتاج المستدام للحقل ضروري للحفاظ على شبكة الكهرباء الإقليمية، التي تعاني أصلاً من ضغوط هائلة. عندما تضرب طائرة مسيّرة هذا المرفق الحيوي، فإن الهدف يتجاوز مجرد إحداث خسائر مادية؛ إنه يهدف إلى إحداث صدمة اجتماعية واقتصادية عبر شل الحياة اليومية للعراقيين، مما يثير غضباً شعبياً واسعاً تجسد في تساؤلات منصات التواصل الاجتماعي حول هوية الجهة المنفذة.
الأبعاد الجيوسياسية: من المستفيد من الفوضى؟
في لعبة المصالح الإقليمية المعقدة، لا يمكن فصل الهجوم عن محاولات إضعاف السلطة المركزية في بغداد والسلطة الإقليمية في أربيل على حد سواء. يمكن تحليل المستفيدين المحتملين عبر زوايا متعددة:
- أجندة الوكلاء: غالبًا ما تُتهم الفصائل المسلحة المدعومة إقليمياً بمحاولة تقويض الاستثمارات الدولية في الإقليم، خاصة تلك التي تعزز الاستقلال المالي لكردستان عن بغداد.
- رسائل سياسية داخلية: قد يكون الهجوم محاولة للضغط على الحكومة العراقية (الاتحادية) أو حكومة إقليم كردستان للتراجع عن سياسات معينة تتعلق بالنفط والغاز وإدارة الموارد.
- تأثير سوق الطاقة: استهداف البنية التحتية يرسل إشارة سلبية حول استقرار الإمدادات، مما يزيد علاوة المخاطر (Risk Premium) على النفط والغاز العراقيين، ويؤثر بشكل غير مباشر على أسعار الطاقة العالمية.
تداعيات السوق والاستثمار: رسالة تحذير للمستثمرين
بالنسبة للمستثمرين في قطاع الطاقة والأسواق الناشئة، فإن قصف كورمور هو مثال صارخ على "مخاطر البنية التحتية" و"مخاطر العقود".
تآكل الثقة في مناخ الاستثمار
تعتمد الشركات الدولية، مثل دانة غاز، على ضمانات أمنية واستقرار قانوني وبيئي للعمل في مناطق النزاع. تكرار استهداف حقول الغاز - سواء كان ذلك هجوماً مباشراً أو نزاعات قانونية حول العقود - يؤدي إلى تآكل الثقة في قدرة العراق على حماية أصول الطاقة الحيوية. هذا التآكل يترجم مباشرة إلى:
- زيادة تكلفة التأمين والعمليات: مما يقلل من جاذبية المشاريع المستقبلية.
- تأجيل الاستثمارات التوسعية: المستثمرون يصبحون أكثر حذراً في ضخ رؤوس أموال جديدة لتطوير الحقول.
- انخفاض تقييم الأسهم: الشركات المدرجة التي لديها تعرض كبير لهذه الأصول قد تشهد ضغطاً بيعياً نتيجة ارتفاع مستوى عدم اليقين.
إن انقطاع إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء ليس مجرد مشكلة تقنية، بل هو عامل ضغط اقتصادي يزيد من الأعباء التشغيلية على القطاعات الصناعية والتجارية التي تعتمد على إمدادات مستقرة للكهرباء، مما يعمق الأزمة المعيشية والخدمية.
الخلاصة والتوقعات: ضرورة استراتيجية لحماية الأصول
إن استهداف كورمور يمثل تحدياً صارخاً لسيادة الدولة العراقية وقدرتها على فرض الأمن على أراضيها. في ضوء هذا التطور، يجب على الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم إدراك أن أمن الطاقة ليس مسألة فنية، بل أولوية استراتيجية عليا ترتبط بشكل مباشر بأسعار الصرف واستقرار الموازنة وثقة المجتمع الدولي.
يتوقع المحللون أن تستمر هذه الهجمات ما لم يتم اتخاذ تدابير حاسمة، بما في ذلك: تعزيز الدفاعات الجوية حول البنى التحتية الحيوية، وتحديد ومحاسبة الجهات المنفذة، وإعادة تقييم العلاقة بين الأمن والسياسة لضمان أن تبقى شريان الحياة الاقتصادي العراقي بعيداً عن أهداف التصفيات الجيوسياسية. السوق ستراقب عن كثب مستوى الاستجابة الرسمية قبل إعادة تثمين المخاطر المرتبطة بالاستثمار في العراق.