في خضم التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تأتي تصريحات وزير الخارجية الفلسطيني السابق، ناصر القدوة، لتلقي بظلالها التحليلية العميقة على التصور الجيوسياسي للصراع. فبينما تتجه الأنظار نحو غزة، يركز القدوة على أن مراكز الثقل الاستراتيجي والهدف الحقيقي لإسرائيل يكمن في الضفة الغربية. هذا التحول في التركيز ليس مجرد تعليق سياسي عابر، بل هو مؤشر خطر يجب أن يوضع على طاولة صناع القرار والمستثمرين على حدٍ سواء، لما له من تبعات مباشرة على استقرار المنطقة ومستقبل الاستثمارات الإقليمية.
التحول الاستراتيجي: من غزة إلى الضفة الغربية
إن إزاحة بؤرة الاهتمام الجيوسياسي إلى الضفة الغربية (يهودا والسامرة في الخطاب الإسرائيلي) تحمل دلالات استراتيجية واقتصادية بالغة الأهمية. الضفة الغربية تمثل عمقاً جغرافياً واقتصادياً لا يمكن مقارنته بقطاع غزة المحاصر. تحليل القدوة يشير ضمنياً إلى أن العمليات الجارية قد تكون غطاءً لتحقيق أهداف توسعية أو لفرض وقائع جديدة على الأرض في المنطقة الأكثر حساسية استراتيجياً.
الرهانات الاقتصادية والجيوسياسية في الضفة
بالنسبة للمستثمر، تمثل الضفة الغربية مصدر قلق دائم. أي تصعيد كبير هناك يهدد الاستقرار البنيوي للاقتصاد الفلسطيني الهش، كما أنه يزيد من تعقيد علاقات التجارة الإقليمية ويعرض البنى التحتية للخطر. هذا السيناريو، إذا ما تحقق، لن يؤدي فقط إلى نزوح بشري محتمل، بل سيهز ثقة المؤسسات المالية الدولية في قدرة المنطقة على استدامة النمو، مما يزيد من تكلفة التأمين ضد المخاطر السياسية (Political Risk Insurance) بشكل هائل.
مفارقة الهدنة والحلول السياسية المؤقتة
تطرق القدوة إلى التطورات الأخيرة، مشيراً إلى أن وقف إطلاق النار – رغم إيجابيته الظاهرة – يشوبه الخروقات، وأن اجتماع القاهرة مرحب به. هذا الموقف يعكس فهماً عميقاً لواقع التفاوض؛ فالمحادثات في مثل هذه الظروف غالباً ما تكون بمثابة مسكنات تخفف حدة التوتر في الأسواق على المدى القصير، لكنها لا تقدم حلاً جذرياً.
الفجوة بين القرارات والتنفيذ: قراءة في المخاطر التنفيذية
لقد ربط القدوة نجاح أي مساعٍ بالعمل الجدي لتنفيذ قرار مجلس الأمن والمبادرة الأمريكية (في إشارة محددة إلى مبادرة الرئيس السابق دونالد ترامب، والتي قد تثير الجدل). هذه النقطة هي جوهر التحليل الاستثماري: القيمة السوقية للقرارات الدولية تعتمد كلياً على آليات التنفيذ. المستثمرون لا يبنون استراتيجياتهم على النوايا، بل على الضمانات الملموسة. طالما بقيت الفجوة بين النص القانوني والواقع التنفيذي عميقة، فإن مخاطر الأسواق ستظل مرتفعة، وتحديداً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية المحيطة بالصراع.
ملف سلاح حماس: عامل ضغط على مستقبل التسوية
كما سلّط القدوة الضوء على ملف سلاح "حماس". هذا الملف يمثل عقدة جيوسياسية، حيث يُنظر إليه دولياً كعقبة أمام أي حل طويل الأمد. لكن من منظور المستثمر، فإن استمرار وجود فاعلين مسلحين خارج سيطرة السلطة المركزية يترجم مباشرة إلى مخاطر عدم يقين سياسي (Political Uncertainty). التعامل مع هذا الملف يحدد مسار الاستقرار المستقبلي، حيث أن نزع السلاح أو دمجه في سياق سياسي أوسع هو شرط ضروري لإعادة بناء غزة بشكل يضمن تدفق رؤوس الأموال الأجنبية المباشرة (FDI) بشكل مستدام.
خلاصة استثمارية
تؤكد تصريحات ناصر القدوة أن التقييم الاستراتيجي للوضع الراهن يجب أن يتجاوز حدود غزة اللحظية إلى المخاطر الكامنة في الضفة الغربية. يجب على المستثمرين الذين يمتلكون انكشافاً إقليمياً أن يضعوا سيناريو التصعيد في الضفة ضمن نماذج تقلبات السيولة (Volatility Models). إن الحلول الترقيعية واللقاءات البروتوكولية لا يمكن أن تلغي حقيقة أن المنطقة تقف على فوهة بركان استراتيجي قد يغير خريطة المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط بشكل جذري.