```html


نزيف الموازنات العربية: 112 مليار دولار ثمن "فواتير" الإنفاق الاجتماعي غير الفعال.. هل تنجح الإسكوا في صياغة خارطة طريق جديدة؟

(تحليل خاص للمدونة من المحلل الاقتصادي والجيوسياسي)

لطالما مثّل الإنفاق الحكومي، خاصة الموجه للقطاعات الاجتماعية (الصحة والتعليم والإعانات)، العمود الفقري للاستقرار السياسي في المنطقة العربية. لكن التحدي الجوهري يكمن في تحويل هذه الأموال من مجرد "إنفاق سياسي" إلى "استثمار اقتصادي" ذي عوائد ملموسة. التقديرات الصادمة التي برزت مع انطلاق المنتدى العربي للمالية العامة والموازنة، الذي تنظمه لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، تضعنا أمام أرقام لا يمكن تجاهلها: خسائر تناهز 112 مليار دولار سنوياً نتيجة لضعف كفاءة هذا الإنفاق.

بالنسبة للمستثمر الذي يراقب المؤشرات الكلية والمخاطر السيادية، فإن هذا الرقم لا يمثل مجرد هدر مالي، بل هو مؤشر خطير على قصور الحوكمة، وارتفاع تكلفة الفرصة الضائعة، وتأثيره المباشر على جاذبية بيئات الأعمال في المنطقة.

112 مليار دولار: تحليل المخاطر السيادية وتكلفة الهدر

إن خسارة 112 مليار دولار بسبب سوء إدارة الإنفاق الاجتماعي تُعد استنزافاً مالياً يعادل إجمالي الناتج المحلي لبعض الاقتصادات الإقليمية المتوسطة. ويؤكد الأمين التنفيذي لمنظمة الإسكوا، كريم خليل، أن هذا المنتدى يركز على "تعزيز الإنفاق على القطاع الاجتماعي وتحقيق الاستدامة المالية"، وهو تقاطع دقيق بين الضرورة الاجتماعية والقدرة المالية.

في سياق الأسواق المالية، يمكن تحليل تبعات هذا الهدر كالآتي:

  1. تدهور التصنيفات الائتمانية: يؤدي ضعف كفاءة الإنفاق إلى تفاقم عجز الموازنات دون تحقيق الأهداف التنموية المرجوة. هذا يرفع من مخاطر الدين السيادي، مما ينعكس سلباً على تكلفة الاقتراض (Sovereign Yields) للدول العربية في الأسواق الدولية.
  2. تآكل الثقة في الإصلاحات: المستثمرون المحليون والأجانب يبحثون عن إشارات على كفاءة استخدام الموارد. عندما تتبخر مبالغ ضخمة في إنفاق غير فعال (كالدعم غير الموجّه أو مشاريع التعليم والصحة ذات المردود الضعيف)، يضعف ذلك الثقة في قدرة الحكومات على إدارة التحولات الاقتصادية الكبرى.
  3. التباطؤ الهيكلي: هذه الخسائر تحرم المنطقة من استثمارات ضرورية في البنية التحتية الإنتاجية أو برامج التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، مما يبقي الاقتصادات العربية أسيرة التقلبات الجيوسياسية وأسعار النفط.

من التحدي إلى فرصة استثمارية: إعادة هيكلة الإنفاق

لا يقتصر المنتدى الذي تنظمه الإسكوا على تشخيص المشكلة، بل يسعى لوضع أسس مالية وموازنية قادرة على التوفيق بين الحاجة الملحة للاستثمار في الرأسمال البشري ومتطلبات الاستدامة المالية طويلة الأجل. وهذا يفتح الباب أمام فرص استثمارية محددة:

التركيز على الحوكمة الرقمية والشفافية

إن جزءاً كبيراً من هدر الإنفاق ينبع من ضعف آليات المشتريات العامة وغياب الشفافية في تتبع تدفقات الموارد. أي برنامج إصلاحي يهدف لترشيد الـ 112 مليار دولار سيعتمد بالضرورة على تطوير أنظمة الحوكمة الرقمية والميزانية القائمة على النتائج (Performance-Based Budgeting).

الاستثمار الموجه في القطاعات الاجتماعية

بدلاً من الدعم العام غير الموجّه، يتجه الفكر الاقتصادي نحو توجيه الإنفاق مباشرة لمن يستحقه. هذا التحول يعني زيادة الطلب على الشركات المتخصصة في إدارة البيانات، ونظم الضمان الاجتماعي الحديثة، وشركات التكنولوجيا المالية (FinTech) التي يمكنها تسهيل التحويلات النقدية المشروطة.

تأثير الإصلاحات على أسواق الأسهم الإقليمية

إذا نجحت الدول العربية في رفع كفاءة إنفاقها الاجتماعي، فإن ذلك سيعني تحسين جودة التعليم والصحة، مما يخلق قوة عاملة أكثر إنتاجية. هذا التحسن يصب مباشرة في صالح الشركات المدرجة في البورصات التي تعتمد على الكفاءة التشغيلية والابتكار، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والخدمات المتقدمة. كما أن خفض الهدر يقلل من الضغط على أسعار الفائدة المحلية لتمويل العجز، وهو عامل إيجابي للسيولة والاستثمار.

خلاصة المحلل: الإنفاق الفعال كرافعة للاستقرار الجيوسياسي

إن رسالة المنتدى العربي للمالية العامة هي رسالة ذات أبعاد جيوسياسية عميقة: لا يمكن تحقيق استقرار طويل الأجل في المنطقة دون تحقيق العدالة في توزيع الموارد والكفاءة في استخدامها. الـ 112 مليار دولار المفقودة هي ثمن الفشل في ربط الإنفاق بالنتائج. الإسكوا، بالتعاون مع الخبراء الإقليميين، تحاول الآن صياغة "عقد مالي جديد" يضمن أن الإنفاق الحكومي ليس عبئاً على الميزانية فحسب، بل هو محفز للنمو الشامل والمستدام.

على المستثمرين متابعة مخرجات هذا المنتدى عن كثب؛ لأن أي التزام حكومي حقيقي بتطبيق آليات الحوكمة الجديدة وترشيد الإنفاق سيمثل إشارة قوية على انخفاض المخاطر الهيكلية، وبالتالي، تحسين التوقعات الاستثمارية في المنطقة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال